التقنية تشكل صناعة العمارة والبناء​

في السنوات القليلة القادمة ستتغير صناعة العمارة عما عهدنا لعقود طويلة، ويبدو التغيير قادما وبقوة في أفقنا، سواء شئنا أم أبينا.

من واقع قراءاتي البحثية أستقرئ أن السنوات الخمس القادمة ستفقد، بنسبة لا بأس بها، المهندسين والمعماريين والفنيين وظائفهم؛ والسبب لأن التقنية قادمة؛ لتسود، وتقود، وتأخذ المقود من بين أيدينا؛ وعلى هذا وجب التنويه والتنبيه؛ فقد أصبحت ضرورة التطوير في مناهجنا التعليمية لمجالات الهندسة والعمارة حتمية.

سأذكر لكم على سبيل المثال لا الحصر بعض هذه التقنيات الموجودة اليوم، وما سأذكره هو فيض من غيض، بدأ يولّد زخما آتية ثماره، وهي بكل تأكيد تطورات جديدة ومثيرة، تجعل من تصميم المباني وبنائها أكثر كفاءة وآمنا ومتعة؛ فاستمتع بنافذة تتيح لك النظر إلى المستقبل القريب:

 

  1. مولد التصميم (Generative Design):

    ظهر اليوم في وقتنا الحالي الكثير من التقنيات التي لها علاقة بتوليد نموذج التصميم وتعديله وتطويره، والتي ستشكل فارقا كبيرا وملحوظا على صناعة العمارة والبناء في زمننا الحالي، والقريب القادم. ومن الأدوات الأكثر TestFit استخداما وتطبيقا في مجال بدائل التصميم أداة التي تمكنك من اقتراح عشرات التصاميم والتعديلات والمقترحات على نموذج التصميم الأولي لديك، اعتمادا على معطيات تحددها، مثل المساحة أو عدد الفراغات أو الشكل والتوجيه أو حتى كمية الإضاءة الطبيعية، وغيرها من المحددات. فمع كل تفعيل لأحد هذه البنود تقوم الأداة بتوليد عشرات التصاميم المطابقة لاختيارك؛ مما يسهل الوقت، ويجعل عملك أكثر كفاءة من قبل. ما كان يقوم به فريق كبير من المصممين أصبح الآن يقوم به شخص واحد فقط باستخدام هذه الأداة.

  2. الواقع الافتراضي (Virtual Reality):

    ما كان بالأمس حلما أصبح اليوم حقيقة؛ فلقد كانت تقنية الواقع الافتراضي في الماضي عالية التكلفة، تجعل من الصعب على المصمم استخدامها، وعلى العميل الاستمتاع بها؛ ولكن مع تقدم وتطور التقنية المستمر في هذا المجال، أصبح من السهل محاكاة أي مشروع، يرغب به المصمم باستخدام برامج المحاكاة، والتي أصبحت تكاليفها في متناول اليد. أحد هذه البرامج التي Enscape ويعتبر برنامج لا يستغني عنها المصمم؛ ليحاكي مشروعه، ويقدمه لعميله في قالب افتراضي، يجعل المفترض حقيقة أمام ناظر العميل.

    وفي نفس الوقت أصبحت أدوات الواقع Oculus الافتراضي بأسعار في متناول اليد؛ ليصبح جهاز بسعر ابتدائي من ٨٠٠ ريال. ما كان يستغرق أياما للمحاكاة أصبح لحظيا، وأسعاره مقبولة في متناول يد الجميع. هذه التقنية لن تجعل تصور العميل أفضل لمشروعه، بل ستقرب الفجوة للمقاول؛ لتساعده على فهم كامل تفاصيل أي مشروع وتعقيداته؛ ليصبح عمله أكثر إتقانًا من ذي قبل.

  3. الواقع المعزز (Augmented Reality):

    تعتبر تقنية الواقع المعزز الأخ الأصغر لتقنية الواقع الافتراضي، فهي امتداد رائع ومطور لذلك الواقع، والتي تمكن المصمم من إحياء مشروعه، وإظهاره لعميله على أرض الواقع باستخدام تقنية الهولوقرام. ومن أكثر Hololens الأجهزة المساعدة لإظهار هذه التقنية جهاز بسعر يبتدئ من ١٣ ألف ريال من شركة Microsoft.

    فمن واقع تجربة شخصية غالبا ما يحب العميل التجربة، والتي تنطوي على تجوله في مكان موجود، غير مربوط بأي محددات، والنظر في الصور المجسمة المحتوى، والمقترحة، ووضعها بالشكل الصحيح، وفي المنظور الصحيح، وبمقياسها الحقيقي؛ وذلك يسهل آلية التواصل بين المصمم والعميل.

  4. بناء نمذجة المعلومات وإنترنت الأشياء (BIM and Internet of Things):

    بالشيء الجديد، BIM لم يعد بناء نمذجة المعلومات قد يكون IoT ولكن ربط تلك النماذج بإنترنت الأشياء صعقة لقسم الموارد البشرية والإدارية.

    ماذا لو ربطنا Alexa تلك النماذج بالتقنيات الصوتية المساعدة مثل أو بمستشعرات توضع Siri و Google Assistant و في مكاتبنا وفراغات العمل، أو حتى فراغات المنزل الخاصة بنا؟ أو ماذا لو ربطناها بأجهزة الجوال، أو حتى الساعات، والإكسسوارات الذكية التي أصبحت تصاحبنا في حياتنا اليومية دائما، دون غنى لنا عنها؟

    تخيل معي ربط كل تلك البيانات بنماذج البناء المعلوماتية؛ كيف لنا أن نعمل على زيادة أداء المبنى، وزيادة إنتاجية الموظف من خلال ربط التقنيتين ببعضهما. كيف سنستطلع الراحة في مكان العمل؛ ليتيح لنا تقييم الراحة، وتحسينها داخل مكان العمل.

    فما كان يتطلب فريق من المتخصصين لمعرفة تحسين فراغ العمل لموظفي الشركة، وزيادة الإنتاجية أصبح الآن بين يديك في نتائج تلك البيانات.

  5. المسح الضوئي بالليزر والطائرات بدون بطيار (Laser Scanning and Drones):

    مع استمرار انخفاض التكاليف للماسحات الضوئية، والطائرات بدون طيار أصبحت تلك التقنيات تزدهر في عالمنا اليوم أكثر فأكثر. نسمع عن الشركات الأصغر التي تمتلك الماسحات الضوئية، والطائرات الخاصة بها؛ لتحظى هذه التقنيات بشعبية أكبر من قبل، حتى عدد الطائرات بدون طيار أصبح بازدياد ملحوظ.

    ومن لم يتمكن من الامتلاك فهناك فرص لاستئجار المعدات، أو استئجار الخدمة. فالآن أصبح من السهل ربط بيانات هذه التقنية بتقنية وتقنية الواقع المعزز BIM بناء نمذجة المعلومات والتي سبق وذكرناها بالأعلى؛ لتعطينا انطباعا ،AR أفضل لما يجري على أرض الواقع.

    باستخدام أدوات للنمذجة من بيانات المسح الضوئي، ClearEdge مثل ولمقارنة العناصر التي تم إنشاؤها حديثًا مع تصاميم لضمان الدقة والتصميم.

    بدأت هذه التقنية BIM تهدد مهنة مهندسي المواقع؛ لكفاءتها العالية في تقديم تقارير لحظية عما يدور اليوم في الموقع، وإشعار كل من الاستشاري المشرف والعميل بجميع مراحل العمل للمقاول بكفاءة ودقة وسرعة عالية.

    فهي ليست تهدد مهنة الإشراف فقط، بل تساعد على رسم مخططات وهذا يهدد As Built البناء الواقعية بسرعة ودقة عالية الكثير من مهن الرسامين والمراجعين والمدققين المهندسين.

  6. البدلة الآلية (Robotic Exosuits):

    ما كانت تقوم به عشرات الأيدي العاملة بالأمس بالبناء أصبح يستطيع أن يقوم به عامل واحد، يلبس بدله آلية تساعده بالعمل بحرية وسرعة ودقة عالية جدا.

    فعلى سبيل المثال أصبح من السهل على عامل واحد أن يحمل وبسهولة ما وزنه فوق ال ١٠٠ كيلو؛ لينقلها داخل المشروع، دون الحاجة إلى رافعة أو أي تقنية أخرى.

    ونظرًا لقدرتها على تقليل الإصابات، وفقدان الأرواح من الأنشطة المتعلقة بالبناء، إلى جانب التقنية القابلة للارتداء المتوفرة بالفعل لرصد العوامل الحيوية للعامل بالموقع، أصبح المستقبل القريب يبدو مشرقا! إن هذه البدل الآلية هي هياكل معدنية مزودة بالعضلات الآلية لمضاعفة قوة مرتديها.

    وهي تعكس حركة هيكل العامل الداخلية على حركة الهيكل الخارجية الآلية التي تم ارتداؤها؛ والتي بدورها تجعل الأجسام المرفوعة تبدو أخف بكثير، وأحيانًا أقل وزنًا؛ مما يقلل الإصابات، ويحسن امتثال العامل على العمل بفضل المراقبة المستمرة لحركاته وأعضائه الحيوية.

ختاما يبدو مستقبل صناعة العمارة والبناء واعداً من حيث التقنية، وقدرتها على تحسين التصميم، وتحسين العروض التقديمية، وحماية عمال البناء في هذا المجال.

وعلى الرغم من خطورتها وتهديدها المستمر على مهن هندسية وتصميمية وفنية في عالم العمارة والبناء؛ فإننا نعلم بالتأكيد إيجابياتها على رفع الكفاءة، وتقليل نسبة الأخطاء والهدر.

وهذا يقودنا إلى التحسين من مناهجنا، وجعلها متوافقة أكثر مع ما يخفيه المستقبل لنا. فلدينا جميعًا دور مهم في الاستفادة من هذه التقنية إلى أقصى حد ممكن؛ لضمان مستقبل أكثر أمانًا واستدامة!