مساري الوظيفي؟!

سألني أحد طلابي حديثي التخرج هذا السؤال” أنا أعمل في مكتب من أول ما تخرجت من قرابة تسعة شهور، والمدير يعطيني وعودا وأحلاما، لا أدري مدى صحتها؛ ولكن منذ أن توظفت وراتبي ٦٠٠٠ ريال، مع العلم أنه وعدني بالزيادة. أنجزت الكثير من الأعمال المناطة بي، وحققت للمكتب دخلا يتجاوز ال ٢٠٠ ألف ريال، وأغلب المشاريع تأتي من حسابات التواصل الاجتماعي الخاصة بي؛ وعينت نظيرا لذلك كرئيس للقسم المعماري، ولكن بنفس الراتب.
الآن لا أعرف هل أنا جالس أضيع وقتي هنا؟ هل عليّ أن أنسحب، وأبحث عن فرص عمل أخرى؟ فقد ملأني المدير بالأحلام بشكل لم أتوقعه. فأحببت أن أسألك بحكم خبرتك: هل هذا هو سوق العمل؟ لأنني لا أملك خلفية كبيرة عنه”.

قبل أن أكتب إجابتي له، فهناك أمور لا نتعلمها في المدارس، ينبغي أن أنبه لها جميع حديثي التخرج. وهي أن حياة المتخرج تنقسم إلى ثلاث مراحل: الأولى في الفترة بعد التخرج، والثانية قبل سن الثلاثين، والثالثة في منتصف الثلاثينيات. تعلم أن تقول: نعم، لكل شيء في المرحلة الأولى من عمرك؛ وفي المرحلة الثانية تعلم أن تقول: نعم، أغلب الوقت؛ أما الثالثة فتعلم أن تقول: لا، أغلب الوقت.

بعد التخرج نحتاج أن نركز على توسعة مداركنا وتجاربنا وخبراتنا، وليس على المنصب أو الدخل أو غيره من ماديات الحياة؛ ولذلك ينبغي أن نقول: نعم، لأي وظيفة، أو لأي دخل، أو لأي فرصة، أو لأي تجربة؛ فنحن لا زلنا في بداية المشوار، ولا عيب في أن نخطئ، أو نقع؛ فلا يزال أمامنا متسع من الوقت؛ لنعود كما كنا، وأفضل بتجارب جديدة تصقلنا وتوجهنا في مجريات الحياة. أما في المرحلة الثانية من عمرنا، فنحتاج أن نقول: نعم، أغلب الوقت؛ وذلك لأن تجاربنا في المرحلة الأولى جعلتنا ندرك أن هناك بعض الاختيارات ليست مناسبة لنا؛ وذلك لتجربة سابقة، وخبرة تنذرنا بإعادة تلك التجربة؛ مما يتيح لنا فرصة التركيز على توسعة التجارب لمجالات مختلفة، لم تتح لنا في المرحلة الأولى. أما في المرحلة الثالثة من أعمارنا، فهنا يجب أن نتعلم أن نقول: لا، لا لما هو جديد ومختلف، ونعم فقط لما هو مألوف ومعتاد عليه؛ والسبب أنه في مثل هذا العمر عندما نخطئ، ونقع، يصعب علينا أن نعود كما كنا؛ وذلك لزيادة المسؤوليات والأعباء علينا. وهناك أيضا أمر إيجابي أخير في تعلمك قول لا في هذه المرحلة، وهو مقدرتك على التركيز الكامل في ما تعرفه، وتحبه، وتستمتع فيه؛ مما يجعلك أكثر تميزا في مجالك عن نظرائك محدودي التجارب والخبرة.

فأجبته: “يؤسفني أن أخبرك يا عزيزي أنك غالباً لن تحصل على أي علاوات، ولن تتحقق لك أي من تلك الوعود، قريباً على أقل التقدير؛ والسبب أن أغلب المكاتب الهندسية والمعمارية في سوقنا اليوم لا يوجد لها نظام موارد بشرية واضح؛ فمتى وقعت العقد فاعلم أنه سيبقى كذلك حتى تنسحب أنت، أو ينسحب هو من ذلك العقد؛ والسبب أن أغلب هذه المكاتب اعتاد على العمل مع المهندس الأجنبي الذي يعمل لصالحه دون مطالب أو مخاطر. والمثال على أحد أهم أسباب ما يجعل الموظف ثابتا في مكانه الوظيفي، هو عدم وجود ما يطلق عليه (career path) أو المسار المهني والذي من خلاله يعرف الموظف أين هو اليوم، وأين سيصل غداً؛ مما يشعره بالاستقرار والأمان. بل كما ذكرت يا عزيزي سيكون مسارك الوظيفي مليء بالوعود والعهود ليس إلا.

قد يقدم لك بعض المزايا مع الضغط، ولكنها ستقف مع الوقت؛ فأغلب ملاك المكاتب الهندسية والمعمارية غير معتادين على مشاركة حلالهم مع الآخرين، لا سيما أن العمل التجاري المرتبط بالتصميم غير مجدي مادياً أبداً، فكلما زادت قائمة الخدمات وجودتها، زادت تكاليفهم التشغيلية، وزادت معها المخاطر المصاحبة لتلك الخدمات. وستجد غالباً أن نسبة الأرباح التي يحققها مثل هذا النوع من المشاريع ثابتة، خاصة لأصحاب المكاتب الذين يعملون، وهم يرغبون بتقديم خدمات هندسية ومعمارية، ترضي الله، ثم ترضي أخلاقيات المهنة. أما أصحاب المكاتب الذين يعملون لأجل جمع المال فقط مع سوء ما يقدمونه من خدمات، فهم خارج نطاق النص، ولا يوجد لهم أحكام، وسيستمرون على ذلك حتى ينص النظام على حماية المستهلك، وتحديد حد أدنى من الأعمال والأتعاب. وهذا الشيء لا يبدو أنه قريب في الأفق.

الزبدة هنا هي نصيحة أقدمها لك: لا تهتمّ، يا عزيزي، كثيرا بالراتب والمال في السنوات الثلاث الأولى بعد تخرجك؛ فلا تزال في أول الطريق، بل تعلم، واستفد من جميع مراحل العمل. افهم في الإدارة، وإدارة الموارد البشرية، والإدارة المالية، وإدارة العمل نفسها؛ وتعرف على القانون والعقبات والحواجز؛ ووسع علاقاتك ومعارفك. تعلم فن الحوار، وسحب المعلومات، وتحليلها، وتقييمها. تعلم فن البيع والتسويق والترويج؛ فهذه المهارات هي أهم مهارات يجب أن يتعلمها المعماري في بداية حياته المهنية؛ فلن تستطيع فهم كل هذا إلا إذا كنت في شركة صغيرة الحجم؛ فعندئذ سيترتب عليك القيام بجميع الأعمال والمهام. أما إذا عملت في الشركات الكبيرة في مرحلتك العمرية الأولى فنعم، قد تحصل على راتب أعلى وأفضل من تلك الشركة الصغيرة، ولكنها ستدفنك بالقيام بعمل واحد فقط طوال وجودك معها؛ فهناك دائما متخصص لكل عمل، ولكل إجراء؛ وبذلك تكون قد فقدت فرصة النمو والتطور والتعلم.

بعد أن تنهي هذه المرحلة، اعمل مع الشركات الكبيرة لمدة سنتين على الأقل؛ هنا ستتعلم نوعا آخر من الفرص والمعاملات، وستتعرض لأنواع مختلفة من المشاريع والعملاء والمسؤوليات. وبعد أن تنهي هذه السنوات الخمس بنجاح حلق بجناحيك، وأسس كيانك، وأبدع، وانطلق؛ فقد آن الأوان لتكون مسموعاً ومعروفاً، وترفع القبعات لك احتراما حين مرورك. أما أن تؤسس كيانك بدون قاعدة عملاء، وعلاقات، ومعرفة ممتازة، فأنت تحكم على نفسك بالهلاك، والعمل الحكومي؛ لأنه سيكون ملجأك الوحيد عند الفشل، وفي هذا هدر كبير جداً للمواهب.

وأسال الله لكم السداد والتوفيق.”