هل للمخططات المعمارية قيمة؟

لاتزال مهنة العمارة في مهد الولادة في العالم العربي؛ رغم أنها تعدّ أقدم مهنة تاريخياً، لازمت الإنسان منذ الأزل. وقد كان المقر الآمن والمريح أحد أهم مكونات الحياة منذ أن خلق الله آدم.
ومع ذلك فلا أحد يعرف ماهية هذه المهنة في بلادنا العربية؛ وعندما يتحدث المتخرج باسمه المهني بقوله: أنا معماري. يسأله البعض: هل أنت مهندس؟ ويسأله الآخر: هل أنت مقاول؟ وعند إجابته لهم بالنفي، ينظر إليه بالدونية؛ لأن مهنته باعتقادهم لا تقدم إلا القليل من” الشخابيط على ورق”.
أذكر مقالا قديما في جريدة مصرية، يناقش فيه أحد المعمارين حوارا له، قد دار بهذا الخصوص مع أحد عملائه، فيقول فيما معناه: عند ذكري لتكاليف أتعابي التصميمية، طارت أعين العميل مستغرباً ارتفاع تكلفة الخدمة، فسألني عن سبب ارتفاعها، مع أن ما سيقدمه المكتب” شوية ورق” للحصول على التراخيص اللازمة للبناء؟ فبادرته بالسؤال، هل تسمح لي يا سيدي أن أسألك كم طنا من الحديد تحمله سيارتك؟ فأجاب: اثنان أو ثلاثة أطنان من الحديد. فسألته: وكم سعر طن الحديد؟ فأجاب: ألفا جنيه. فسألته: وبكم اشتريت سيارتك الفارهة؟ فقال: تفوق المائة ألف جنيه. فرددت عليه: قيمة الحديد في سيارتك لا يتجاوز ستة آلاف، ومع ذلك دفعت ما يفوق عن مائة ألف للطنين أو الثلاثة من الحديد؛ فهل تعرف لماذا؟ الإجابة لأنك وإن كنت قد اشتريت المنتج النهائي، ولكنك لم تدفع ذلك المبلغ إلا مقابل جودة التصاميم والأفكار التي اجتمعت على ورق؛ لتصنع لك منتجا ذا قيمة عالية.
نعم، لقد اختصر هذا الحوار في نظري الكثير؛ إذ يعتقد أغلب الناس أن هذه المنتجات التي بين أيدينا، والتي نستخدمها يوميا، وتتراوح أسعارها من الريال إلى أكثر من مائة ألف إنما هي منتجات أتت من الفضاء، أو من عالم افتراضي. وهذا حقيقة غير صحيحة؛ بل أتت من سلسلة من التصميم، والتخطيط، والتفكير، والرسم على ورق؛ ليصل المنتج إلى المرحلة المطلوبة للتصنيع، ولتدفع أنت قيمته؛ ليكون بين يديك. ولكن ما نجهله أنه كم من المبالغ الطائلة قد دفعت؛ لتصميم وتطوير هذا المنتج؟ وكم من الوقت والأوراق قد أهدر؛ ليكون ذلك المنتج بين يديك كما تريده أن يكون لك؟ هذا إذا قسنا على تلك المنتجات الصغيرة ذات التكلفة البسيطة، والاستخدام المحدود. فما بال مسكن العمر الذي سنقضي فيه معظم أوقات حياتنا، وسندفع فيه جل ما جمعنا من مال؟ ألا يستحق ذلك المنتج الدراسة، والتخطيط، والتصميم اللازم؛ ليصل إلى ما نرغب، ونحلم به؟